صديق الحسيني القنوجي البخاري
504
فتح البيان في مقاصد القرآن
وحرب أعدائه ، وذلك لأن اللّه أجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون بعض لحكمة اقتضت ذلك ، وعن ابن مسعود في الآية قال : يقول ما كابدناهم بالجموع ، أي الأمر أيسر علينا من ذلك . وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ أي وما صح في قضائنا وحكمتنا أن ننزل لإهلاكهم جندا لسبق قضائنا وقدرنا بأن إهلاكهم بالصيحة لا بإنزال الجند ، وقال قتادة ومجاهد والحسن : أي ما أنزلنا عليهم من رسالة من السماء ولا نبي بعد قتله ، وروي عن الحسن أنه قال : هم الملائكة النازلون بالوحي على الأنبياء والظاهر أن معنى النظم القرآني تحقير شأنهم ، وتصغير أمرهم ، أي ليسوا بأحقاء بأن ننزل لإهلاكهم جندا من السماء ، بل أهلكناهم بصيحة واحدة كما يفيده قوله : إِنْ كانَتْ أي العقوبة أو النقمة أو الأخذة . إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً صاح بها جبريل فأهلكهم قرىء : صيحة بالنصب على أن كان ناقصة ، واسمها ضمير يعود إلى ما يفهم من السياق كما قدمنا ، وقرىء برفعها على أن كان تامة ، أي وقع وحدث ، وأنكرها أبو حاتم وكثير من النحويين بسبب التأنيث في قوله : إن كانت ، وقيل : غير ذلك . وقرأ ابن مسعود إن كانت إلا زقية واحدة والزقية الصيحة ، قال النحاس : وهذا مخالف للمصحف ، وأيضا فإن اللغة المعروفة زقا يزقو إذا صاح ومنه المثل : أثقل من الزواقي فكان يجب على هذا أن يكون زقوة ، ويجاب عنه بما ذكره الجوهري . قال : الزقو والزقى مصدر ، وقد زقا الصدى يزق زقا أي صاح ، وكل صائح زاق ، والزقية الصيحة . قال المفسرون : أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة فإذا هم ميتون لا يسمع لهم حس كالنار إذا طفئت ، وهو معنى قوله : فَإِذا هُمْ خامِدُونَ ميتون شبههم بالنار إذا طفئت لأن الحياة كالنار الساطعة في الحركة ، والالتهاب . والموت : كخمودها . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 30 إلى 34 ] يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 30 ) أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ( 31 ) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ( 32 ) وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ( 33 ) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ ( 34 ) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ النصب على أنها منادى منكر ، كأنه نادى الحسرة وقال لها : هذا أوانك فاحضري ، وقيل : إنها منصوبة على المصدرية ، والمنادى محذوف والتقدير : يا هؤلاء تحسروا حسرة ، وقرىء : بالضم على النداء ، قال الفراء في توجيه